بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
اختلف علماء الطائفة في مقام الأئمة (ع) هل هم أفضل أم الأنبياء (ع) أفضل؟ وانقسموا إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل: أنّ الأئمّة (ع) أفضل من كلّ الأنبياء (ع) بما فيهم أولي العزم من الرسل ما عدا رسول الله (ص).
الثاني: أنّ الأئمّة (ع) أفضل من كلّ الأنبياء (ع) إلاّ أولي العزم.
الثالث: أنّ الأنبياء (ع) أفضل من الأئمّة (ع).
والرأي الأوّل – وهو أنّ الأئمّة (ع) أفضل من الأنبياء (ع) بما فيهم أولي العزم إلاّ الرسول الأعظم (ص) – هو الأشهر وهناك دلائل كثيرة تدلّ عليه، ونحن في هذه العجالة نريد أن نثبت أنّ عليّاً (ع) أفضل من كلّ الأنبياء (ع) بما فيهم أولي العزم إلاّ الرسول (ص) ونستدلّ على ذلك بالكتاب والسنّة:
أوّلاً – الكتاب الكريم:
قال تعالى: ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))، فقد أجمع المفسّرون أنّ هذه الآية نزلت في يوم المباهلة عندما أراد رسول الله (ص) أن يباهل نصارى نجران وقد خرج لمباهلتهم بعليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع)، وقد أشارت الآية للحسن والحسين (ع) بكلمة (أبناءنا)، وأشارت للزهراء (ع) بكلمة (نساءنا) وبقي عليّ (ع) الذي لا يدخل في قائمة الأبناء ولا في قائمة النساء، وبما أنّ القرآن دقيق في إشاراته وتامّ في دلالاته لزم أن يكون المقصود بـ (أنفسنا) في الآية هو علي (ع) خصوصاً وأنّ الرسول (ص) هو صاحب الدعوة، والعاقل لا يدعُ نفسه، والرسول (ص) هو سيّد العقلاء، إذن لزم أن يكون المراد بالنفس في الآية هو عليّ (ع) لا رسول الله (ص)، فإذا ثبت ذلك قلنا: أنّ التعبير عن عليّ (ع) بأنّه نفس محمّد (ص) يستلزم ثبوت مقامات النبي (ص) لعليّ (ع)، فكلّ مقام يثبت لرسول الله (ص) بالأصالة يثبت لعليّ (ع) بالعرض والتبع إلاّ ما استثناه الرسول (ص) بنفسه، ولم يستثنِ الرسول (ص) إلاّ النبوّة حيث قال لعليّ (ع): "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"، وواضح أنّ النبي (ص) هو أفضل الخلق أجمعين من الأولين والآخرين، وهو لا يمتاز عن الأنبياء (ع) والرسل من أولي العزم (ع) بالنبوّة وسعت دائرتها فحسب بل يمتاز عليهم بمقاماته الأخرى والتي نالها عليّ (ع) أيضاً؛ باعتبار أنّ الرسول (ص) لم يستثنها فيكون عليّ (ع) أفضل منهم.
ثانياً – السنّة الشريفة:
1- الحديث المشهور: "لو لم يكن عليّ في الوجود لما كان لفاطمة كفؤ.. آدم فمَن دونه" ودلالات هذا الحديث ظاهرة، وهي: أفضليّة الزهراء (ع) على الأنبياء (ع)؛ لأنّهم لم يكونوا لها كفؤاً، وأفضليّة عليّ (ع) عليهم؛ إذ كان هو كفؤها من بينهم جميعاً.
2- ما يرويه المير سيّد علي الهمداني – وهو من كبار علماء ومحدّثي أهل السنّة – في كتابه (مودّة القربى)، المودّة الثامنة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال: قال رسول الله (ص): "مَن أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته، وإلى ميكائيل في رتبته، وإلى جبرائيل في جلالته، وإلى آدم في علمه، وإلى نوح في خشيته، وإلى إبراهيم في خلّته، وإلى يعقوب في حزنه، وإلى يوسف في جماله، وإلى موسى في مناجاته، وإلى أيّوب في صبره، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في عبادته، وإلى يونس في ورعه، وإلى محمّد (ص) في حسبه وخلقه، فلينظر إلى عليّ، فإنّ فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء (ع)، جمعها الله تعالى فيه ولم يجمعها في أحدٍ غيره"، وهناك الكثير من أمثال هذا الحديث في كتب أهل السنة من قبيل: المناقب للخوارزمي، والرياض النظرة للطبري، وينابيع المودّة للقندوزي... وغيرهم.
وواضح أنّ الأنبياء (ع) كانوا يتخلّقون بأجمل الصفات، وبها كانوا أفضل أهل زمانهم، وقد امتاز كلّ منهم بفضيلة حتى اشتهر بها، بل صار مضرب المثل فيها، فإذا ذكر العلم ذكر آدم (ع) فيقال: يا عِلم آدم.. وإذا ذكر الصبر ذكر أيّوب (ع) فيقال: يا صبر أيّوب... وهكذا، وكما امتازوا هم (ع) على غيرهم بهذه الصفات امتاز علي (ع) عليهم بمجموعها كما شهد له بذلك رسول الله (ص) في أكثر من مورد.
وقد ذكر المحدّثون أنّ صعصعة بن صوحان (رض) سأل عليّ (ع) – وهو على فراش الموت – عن أفضليّته على الأنبياء (ع)، فقال: يا أمير المؤمنين! أنت أفضل أم آدم (ع)؟ فقال (ع): يا صعصعة تزكية المرء نفسه قبيح، ولولا قول الله تعالى: ((وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)) ما أجبتك.
ثمّ قال: يا صعصعة أنا أفضل من آدم (ع)؛ لأنّ الله سبحانه أباح له الطيّبات في الجنّة ونهاه عن أكل الحنطة فقط ولكنّه أكل منها، وأنا لم يمنعني ربّي من الطيبات ولم ينهني عن أكل الحنطة فأعرضت عنها بالطوع والرغبة.
فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين! أنت أفضل أم نوح (ع)؟
فقال (ع): أنا أفضل من نوح (ع)؛ لأنّه وإن تحمّل من قومه كثيراً وصبر، لكنّه دعا عليهم أخيراً، فقال: ((رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا))، ولكنّي بعد رسول الله (ص) تحمّلت أذى قومي فظلموني عدد الحجر والمدر فصبرت ولم أدع عليهم.
فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين! أنت أفضل أم إبراهيم (ع)؟
فقال (ع): أنا أفضل؛ لأنّ إبراهيم (ع) قال: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))، وأنا أقول: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً.
فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين! أنت أفضل أم موسى (ع)؟
فقال (ع): أنا أفضل؛ لأنّ الله تعالى لمّا أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلّغه رسالته ومعه آية العصا، ((قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ))، ولكنّي حين أمرني رسول الله (ص) أن أبلّغ براءة لمشركي مكّة وأنا قاتل زعماءهم وأبطالهم، مع ذلك أسرعت غير مكترث وذهبت وحدي إليهم وقمت في جمعهم موسم الحاجّ رافعاً صوتي وبلّغتهم آيات براءة.
قال صعصعة: يا أمير المؤمنين! أنت أفضل أم عيسى (ع)؟
فقال (ع): أنا أفضل؛ لأنّ مريم بنت عمران (ع) لمّا أرادت أن تضع عيسى (ع) كانت في البيت المقدس وجاءها النداء: يا مريم اخرجي هنا محلّ عبادة لا محلّ ولادة، فخرجت ((فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ))، ولكنّ أمّي لمّا أحسّت بولادتي وأنا في بطنها جاءت إلى الكعبة واستجارت وسألت ربّها أن يسهّل عليها الولادة فانشقّ جدار الكعبة وسمعت النداء: يا فاطمة ادخلي! فدخلت وردّ الجدار لحاله فولدتني في حرم الله وبيته الحرام.
فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين! أنت أفضل أم محمّد رسول الله (ص)؟
فقال (ع): يا صعصعة ما أنا إلاّ عبد من عبيد محمّد (ص).
وبهذا يتبيّن أنّ الإمام (ع) أفضل من كلّ الأنبياء (ع) إلاّ رسول الله (ص) فهو أفضل الخلق أجمعين من الأوّلين والآخرين.. والحمد لله ربّ العالمين.