وكعادتي عندما يضيق صدري بهموم الحياة، حينما لا ألبي لنفسي رغباتها، في حصولها على ما تريد من اللذات، رغبات مادية وأخرى معنوية، أجلس في حديقة منزلي، ماسكاً قلمي بيدي، والعديد من الصفحات، أسطر عليها آمالي وآلامي، أجلس تحت سقف الأشجار العظيمة، تحيطني الأزهار بألوانها الزاهية، ورائحتها الزكية، كُنت حينها غاضباً لأن والدي ما أعطاني من المال إلا القليل، فكيف لهذا المبلغ أن يغطي رغباتي الكثيرة؟ فأنا عازمٌ على شراء العديد من الحاجات، فأنا أريد عطراً بأغلى الأثمان، وحذاءً يسحر عيون الناظرين والناظرات، وأريد نظارات، لكي تجذب لي بعض الفتيات، وملابسي قديمة، فقد مضى على شرائها ثلاثة شهور! أريد قمصاناً وشورتات، فكيف أذهب بهذه الملابس القديمة للمجمعات؟ أُريد أن أظهر بأحسن المظاهر، وأن أجذب الناس لي أينما ذهبت، لابد أن أسحر العالم بمظهري ونعومة بشرتي، سأستخدم المساحيق لأخدع الناس، سأخدع السذج من الناس، من الكبار والصغار، الشباب والشابات، أنا الأفضل، أنا صاحب أروع مظهر، الخالي من كل السلبيات.. مسك قلمه وكتب:
"تنقصني الكثير من الحاجات، أريدُ قمصاناً جدد، وأريد حذاءً، والعديد من العطورات، وأنا غاضب جداً، وقلق، وأشعر بالكآبة.. ماذا سيقول الناس عن مظهري".. وبينما هو كذلك مرَّ بجانب الحديقة التي هو جالس فيها شابان، كان الفرح والسرور بادٍ عليهما، وكان أحدهما فاقداً لإحدى قدميه، ممسكاً عكازه بيده، ولكن كلُّ هذا ما حرمه الفرح والمرح، وما جعل صاحبه يتخلى عنه، لأنه يحبه، لما فيه من روعة الصفات.. أُعجب صاحبنا بما رأى فرفع قلمه مرةً أخرى وكتب:
"كم أنا خجلٌ من نفسي، أنظر لما ينقصني، وهو قليل، ولا أنظر إلى كل ما أملك.. كم أنا خجلٌ من نفسي، أهتم كلَّ هذا الاهتمام والمفرط بمظهري، لأخدع السذج من البشر، ونسيتُ جوهري".