بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)).
عندما نتأمّل قليلاً في هذه الآية المباركة نجدها تشير إلى علاقة العقيدة بالعمل والعمل بالعقيدة، وتبيّن دور العقيدة في العمل، ودور العمل في العقيدة، فتقول: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ))، والمتبادر إلى الذهن هو أنّ الضمير في (إليه) يعود إلى الله سبحانه، بينما يعود الضمير في (يرفعه) إلى الكلم الطيّب، وأنّ فاعل (يرفعه) ضمير مستتر فيه جوازاً يعود على العمل الصالح، فيكون معنى الآية حينئذٍ "إلى الله تعالى يصعد الكلمُ الطيبُ، والعملُ الصالحُ يرفعُ الكلمَ الطيّبَ"، وبهذا يتّضح أن الذي يصعد في الدرجات الإيمانيّة بالدرجة الأولى هو الكلم الطيّب، وأنّ الذي يرفعه من درجة إيمانيّة إلى درجة أخرى أرقى منها هو العمل، وبقي أن نعرف ما هو المراد بـ (الكلم الطيّب) في الآية السابقة؟
في الحقيقة هناك عدّة أقوال في بيان المراد من (الكلم الطيّب)، منها:
1- أنّه العمل الصالح نفسه.
2- مقولة: "لا إله إلاّ الله".
3- مقولة: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر".
4- إثبات الرسالة للرسول محمّد (ص)، والولاية والخلافة لعليّ (ع) بعد التوحيد.
5- ولاية أهل البيت (ع).
أمّا الأوّل – وهو أنّ المراد بالكلم الطيّب هو العمل الصالح – فهو غير ممكن؛ لوجود المقابلة والعطف ممّا يستدعي الإثنينيّة، ففي الآية رافع ومرفوع ولازم ذلك أن يكون الرافع غير المرفوع، والمرفوع غير الرافع؛ لأنّ الشيء لا يرفع نفسه، فإذا كان الرافع هو العمل الصالح لزم أن يكون المرفوع وهو الكلم الطيّب غير العمل الصالح، ولو كانا – الرافع والمرفوع – شيئاً واحداً للزم اللغو في الآية؛ حيث يكون معناها حينئذٍ "إلى الله تعالى يصعد العملُ الصالحُ، والعملُ الصالحُ يرفع العملَ الصالحَ"، ولزوم اللّغوية في الآية دليل على بطلان هذا القول.
أمّا الأقوال الأربعة الباقية وأمثالها فهي [من قبيل بيان المصاديق الأكثر وضوحاً لمفهوم (الكلم الطيّب) الواسع، وليس من قبيل وضع الحدود لذلك المفهوم؛ إذ أنّ كلّ كلام طيّب وصالح المحتوى يدخل تحت هذا العنوان] ، ولا يُفهم من قولنا: (كلّ كلام) مجرّد الكلام أو اللّفظ بل هو بما له من معنىً طيّب، [وطيب الكلم هو ملاءمته لنفس سامعه ومتكلّمه بحيث تنبسط منه وتستلذّه وتستكمل به، وذلك إنّما يكون بإفادته معنى حقّاً فيه سعادة النفس وفلاحها] ، وبهذا يظهر أنّ المراد بالكلم الطيّب هو [الاعتقادات الحقّة التي يسعد الإنسان بالإذعان لها وبناء عمله عليها، ... وتسمية الاعتقاد قولاً وكلمة شائع بينهم].
إذن المراد بالكلم الطيّب الذي يصعد في الدرجات الإيمانيّة بالدرجة الأولى هو الاعتقاد الحقّ، ولذلك لو عمل الإنسان أعمالاً كثيرة صالحة بنظر العرف، ومستحسنة في نظر الشرع وهو يشرك بالله تعالى فلا قيمة لأعماله هذه عند الله تعالى، وسيكون في الآخرة من الخاسرين، ويشهد على ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً))، وقوله تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ))، لماذا يكون المشرك بالله، والذي يبتغي غير الإسلام ديناً من الخاسرين يوم القيامة، فهو قد يعمل أعمالاً صالحة في نظر العرف ومستحسنة في نظر الشرع من قبيل: مساعدة الفقراء، وقضاء حوائج الناس، و...؟
الجواب: لأنّه لا يعتقد بالله تعالى ولا يعتقد بشرعه، والله سبحانه يريد من الإنسان أن يطيعه من حيث يأمر هو، من حيث يريد هو لا من حيث يريد الإنسان، فكلّ أعمال المشرك لا قيمة لها عند الله تعالى، وكذلك أعمال مَن لا يبتغي الإسلام ديناً له، ومن هنا يظهر لنا دور العقيدة في العمل، فالعقيدة هي التي تعطي العمل قيمة عند الله تعالى.
هذا دور العقيدة في العمل، أمّا العمل فله دوران في العقيدة، والدوران هما:
الأوّل: ترسيخ الاعتقاد: باعتبار أنّ الاعتقاد في بداية وجوده عند الإنسان يكون بمثابة الوديعة والأمانة، فإذا عمل الإنسان بمقتضى ذلك الاعتقاد ترسّخ الاعتقاد عنده، وإن أهمل العمل بمقتضى ذلك الاعتقاد تزلزل الاعتقاد من عنده ورحل، قال أمير المؤمنين (ع): "العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلاّ ارتحل" ، ومن هنا تجد الشارع المقدّس يأمرنا بتكرار العبادات، لما لتكرار العمل من تأثير في تثبيت العقيدة واستقرارها.
الثاني: يرفع العقيدة من درجة وجوديّة إلى درجة أخرى أعلى منها: وتفصيل ذلك هو أنّ كلّ عقيدة تستوجب عملاً معيّناً، فالإنسان الذي يؤمن بالمعاد مثلاً ينفق في سبيل الله تعالى رجاء الجزاء والثواب الأخروي، أمّا الإنسان الذي لا يؤمن بالمعاد فلا معنى لِأَن ينفق رجاء الجزاء والثواب الأخروي؛ لأنّه لا يؤمن بالآخرة، وإن أنفق فإنّه لا يرجو بذلك الإنفاق الجزاء والثواب بل يرجو شيئاً آخر كراحة الضمير أو الرياء أو أيّ شيء آخر، وبالتالي لا يطالب الله تعالى بتعويضه عن إنفاقه هذا؛ لأنّه لم يُنفق لأجل مرضاة الله تعالى وقد قال الإمام الصادق (ع): "مَن عمل لله كان ثوابه على الله، ومَن عمل للناس كان ثوابه على الناس"، فكلّ درجة من الاعتقاد يترشّح منها درجة من العمل والسلوك الخارجيين، فإن عمل الإنسان بمقتضى تلك الدرجة أدركته العناية الإلهيّة الخاصّة التي تأخذ بيده من تلك الدرجة التي كان فيها إلى درجة أعلى منها؛ لأنّ السنّة الإلهيّة قد اقتضت أن يزيد الله تعالى الشاكر لنعمته درجة أعلى من الدرجة التي هو فيها، والعمل بمقتضى تلك الدرجة شكر لله تعالى على تلك الدرجة التي هو فيها، وشكره هذا يستلزم الزيادة في درجته وهكذا – كما قال تعالى: ((لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)) –، وبالتالي إذا عمل الإنسان بمقتضى الدرجة التي هو فيها أخذته العناية الخاصّة إلى درجة ثانية أعلى منها، فإن عمل بمقتضى الدرجة الثانية أخذته العناية الخاصّة إلى الدرجة الثالثة... وهكذا كلّما عمل الإنسان بمقتضى الدرجة التي هو فيها فإنّ العنايّة الإلهيّة الخاصّة تأخذ بيده إلى درجة أخرى أعلى من الدرجة التي كان فيها حتى يصل إلى درجة يقول فيها الله تعالى: ((ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (*) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)).
وممّا تقدّم يتّضح أنّ العقيدة هي الأساس ودورها في نظر القرآن الكريم دور أوّلي، والعمل فرع لها ودوره في نظر القرآن دور ثانوي، ومن هنا تجد الكثير من الآيات – إنّ لم يكن كلّها – التي تذكر العمل الصالح تسبقه بذكر الإيمان، فتقول: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أو ((وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ...)) أو ((وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى))... وهكذا؛ إذ لا قيمة للعمل وإن كان صالحاً في نظر العرف ومستحسناً عند الشارع المقدّس إلاّ بالعقيدة الحقّة، كما أنّ اختلاف درجات النّاس عند الله تعالى يوم القيامة إنّما هي باختلاف درجات الإيمان، فقد يصدر نفس العمل من شخصين، ولكنّ قيمة هذا العمل من الشخص الأوّل تختلف عند الله تعالى من قيمة نفس هذا العمل من الشخص الثاني؛ لاختلاف درجة إيمانهما.
أمثلة توضيحيّة
الأوّل: صلاة الليل أحد عشر ركعة سواء صلّيتها أنا أو صلاّها رسول الله (ص)، ولكن صلاة رسول الله (ص) أوصلته إلى المقام المحمود – وهو مقام الشفاعة – كما قال تعالى: ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً))، بينما لم توصلني صلاتي إلى ربع هذا المقام السّامي، مع أنّ الصّلاة في الظاهر واحدة.
الثاني: لقد صلّى الإمام الحسين (ع) بأصحابه يوم عاشوراء صلاة الظهر، وصلّى عمر بن سعد بأصحابه صلاة الظهر أيضاً، وصلاة الظهر بحسب الظاهر واحدة سواء صلاّها الإمام (ع) أو صلاّها ابن سعد، ولكنّ صلاة الإمام (ع) أوصلته وأصحابه إلى الجنّة بينما صلاة ابن سعد ساقته وأصحابه إلى النار.
الثالث: عندما نعود إلى القرآن الكريم نجده تارة يقول: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) أي أنّ الله تعالى يعطي مقابل الحسنة عشر حسنات، وثانية يقول: ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))، أي يعطي مقابل الحسنة مرّة (700) حسنة ((سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ))، وثانية يعطي ضعف هذه الـ (700)، وهذا الضعف إمّا مضروب في (2) فيصير مقابل الحسنة الواحدة (1400) حسنة، وإمّا مضروب في نفسه فيصير (000,490) حسنة مقابل الحسنة الواحدة، وهي قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ))، بينما في المرّة الثالثة يقول تعالى: ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) فإذا عرفنا أنّ الوسع الإلهي ليس له حدود ينتهي عندها، عرفنا أنّ عطاءه تعالى مقابل الحسنة الواحدة في هذه المرّة ليس له حدود ينتهي عندها، عطاء كثير لا حدّ له ولا حصر، وإذا سألنا القرآن الكريم عن هذا التفاوت في العطاء مع أنّ الحسنة واحدة، فإنّه يجيبنا بقوله في ذيل الآية المباركة السّابقة: ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))، أي أنّه تعالى وإن تشابهت أعمالهم في ظاهرها يعلم بدرجات عقائدهم وتفاوتها، فيعطي كلّ واحدٍ بما يتناسب مع درجة اعتقاده، ولهذا قالت الآية: ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) ولم تقل (والله واسع رحيم) أو ما شابه ذلك من صفات الله تعالى؛ لأنّ المقام يتناسب مع العلم بدرجاتهم وأحوالهم.
ومثل هذا الأمر: الأحاديث التي وردت عن أهل بيت العصمة (ع) في حقّ زيارة الحسين (ع)، فالبعض منها جعلت ثواب الزيارة (10) حجّات، وبعضها جعلتها (70) حجّة، وبعضها أوصل ثوابها إلى أبعد من العدّ فقالت: "من زار الحسين (ع) عارفاً بحقّه وجبت له الجنّة"، كلّ ذلك بقدر العقيدة والمعرفة.
فكلّ درجة في العقيدة تستلزم عملاً معيّناً، ومن هنا أنت تسمع أنّ الإمام الحسين (ع) حينما غفت عيناه على قبر جدّه المصطفى (ع)، جاءه جدّه وضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه، وقال له في ضمن مقالته: "ولدي حسين! إنّ لك في الجنان درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة"، فتلك الدرجات تستلزم العمل، تستلزم تلك التضحية الكبيرة بتلك الكيفيّة المفجعة، والحمد لله ربّ العالمين.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل.
الميزان في تفسير القرآن.
الميزان في تفسير القرآن.
بحار الأنوار: ج2، ص40، ب9، ح71.