بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، وبعد:
.
لقد ذكرنا فيما سبق أنّ الحكيم والخوئي والسيستاني والشيرازي قد ذهبوا إلى وجوب تقليد أعلم المجتهدين، ومثلهم الخامنئي والخميني والصّادق الشيرازي على الأحوط وجوباً، وبالتالي يلزم المكلَّف على رأيهم:
.
1- أن يفحص عن الأعلم فإن تبيّن له الأعلم تعيّن عليه تقليده ولا يجوز له أن يقلّد غيره في المسائل التي يختلف فيها رأيه عن رأي ذلك الغير إلاّ أن يكون رأي ذلك الغير موافقاً للاحتياط ويكون رأي الأعلم مخالفاً للاحتياط.
.
2- إذا قلّد مجتهداً يفتي بحرمة العدول – حتى إلى المجتهد الأعلم – وجب عليه العدول إلى الأعلم عند الاختلاف في الفتوى.
.
3- لا يجوز العدول من تقليد الأعلم إلى تقليد غيره إلاّ إذا صار ذلك الغير أعلم منه.
.
4- إذا تعدّد الأعلم – كما لو انحصرت الأعلميّة بين مجتهدَين أو أكثر – فإن كانت فتاوى الجميع متطابقة قلَّد مَن يشاء منهم، وإن اختلفت الفتاوى لزمه إمّا أن يعمل بمقتضى الاحتياط بين أقوالهم وهو الأفضل وإمّا أن يعمل بأحوط أقوالهم وإمّا أن يقلِّد مَن يظنّ أعلميّته منهم، فإن لم يكن يظنّ أعلميّة أحدهم قلّد مَن يحتمل أعلميّته – ولو احتمالاً بسيطاً –، فإن لم يكن يحتمل أعلميّة أحدهم أيضاً تخيّر بينهم عند الخامنئي والخميني والصادق الشيرازي وإن كان الأحوط استحباباً عندهم أن يقلّد الأورع فيهم، وقال الحكيم: بل يجب عليه أن يقلّد الأورع إن كان فيهم أورع، ومثله الشيرازي على الأحوط وجوباً، فإن لم يكن فيهم أورع من البقيّة تخيّر بينهم.
.
5- يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد أو الأعلم أن يعمل بالاحتياط، ويكفي في الفرض الثاني الاحتياط في فتوى الذين يحتمل أعلميّتهم بأن يأخذ بأحوط أقوالهم عند الخميني.
.
مسائل في تقليد الميّت
ذكرنا فيما سبق أنّ تقليد المجتهد الميّت قسمان: ابتدائي وبقائي، وقلنا أنّ التقليد الابتدائي هو أن يقلّد المكلّف مجتهداً ميّتاً من دون أن يسبق منه تقليده حال حياته، وأنّ التقليد البقائي هو أن يقلّد المكلَّف مجتهداً معيّناً شطراً من حياته ويبقى على تقليد ذلك المجتهد بعد موته، وفي تقليد الميّت مسائل، هي:
.
1- لا يجوز تقليد الميّت ابتداءً عند الخميني والخوئي والسيستاني والشيرازيّين، ومثلهم الخامنئي وفضل الله والمدرّسي على الأحوط وجوباً.
.
2- إذا قلّد مجتهداً – سواء كان الأعلم أو غيره – ثمّ مات المجتهد لزم على مقلِّده أن يرجع إلى المجتهد الحي وأن يقلّده في مسألة البقاء على تقليد الميّت من عدمه، فإن أوجب عليه البقاء عليه وجب عليه ذلك وبقي على تقليده، وإن حرّم عليه البقاء عليه حرم عليه تقليده ووجب العدول عنه، وإن أجاز له البقاء تخيّر بين أن يبقى عليه وبين أن يعدل عنه إلى المجتهد الحي، ولا يجوز العدول من ميّت إلى ميّت إلاّ في ظرف خاص سنشير إليه بعد قليل في رقم (11).
.
3- اختلف الفقهاء في المجتهد الذي يرجع إليه المقلِّد بعد وفاة المجتهد الذي كان يقلّده هل هو أعلم الأحياء أو أيّ مجتهد حيّ؟ فذهب الحكيم والخوئي والسيستاني والشيرازي إلى وجوب الرجوع إلى أعلم الأحياء، ومثلهم الخامنئي والخميني والصّادق الشيرازي على الأحوط وجوباً، بينما ذهب فضل الله والمدرّسي إلى الرجوع إلى أيّ مجتهد حيّ.
.
4- يكفي في البقاء على تقليد الميّت – وجوباً أو جوازاً – مجرّد الالتزام حال حياته بالعمل بفتاواه ولا يعتبر فيه التعلّم أو العمل عند الحكيم والسيستاني، وقال فضل الله لا يكفي ذلك بل لابدّ له من التعلّم والعزم على العمل بها وإن لم يعمل بها فعلاً، وقال الخميني والصّادق الشيرازي لابدّ له من العمل ولو ببعض المسائل، أمّا الخوئي فقال: لا يكفي الالتزام أو العمل ببعض المسائل بل لابدّ من تعلّم المسائل وذكرها عند العمل.
.
5- إذا قلّد مجتهداً فمات جاز له البقاء على تقليده عند الخامنئي والخميني والشيرازيين وفضل الله والمدرّسي، وجاز له أيضاً العدول إلى أيّ مجتهد حيّ عند فضل الله والمدرّسي، وإلى خصوص أعلم الأحياء عند الشيرازي، ومثله الخامنئي والخميني والصادق الشيرازي على الأحوط وجوباً، وقال الخميني: "الرجوع أحوط" أي الرجوع إلى أعلم الأحياء أحوط استحباباً من البقاء على تقليد الميّت، وقال الحكيم: يجب البقاء على تقليد الميّت إذا كان أعلم من المجتهدين الأحياء ولا يجوز العدول منه إلى أعلم الأحياء إلاّ إذا كان الحيّ أعلم من الميّت بفارق ظاهر ومرتبة معتدّ بها، أمّا الخوئي والسيستاني فقد فصّلا في المسألة، فقالا: إن لم يعلم – ولو إجمالاً – بمخالفة فتوى الميّت لفتوى الحيّ في المسائل التي هي في معرض ابتلائه جاز له البقاء على تقليده، وإن علم بالمخالفة كما هو الغالب:
أ- فإن كان الميّت أعلم من الحي وجب البقاء على تقليده عند السيستاني، ومثله الخوئي في خصوص المسائل التي تعلّمها ولم ينسها.
ب- وإن كان الحيّ أعلم من الميّت وجب العدول إليه عندهما.
ج- وإن تساوى الميّت والحيّ في الأعلميّة أو لم يحرز الأعلم من بينهما وجب عليه الأخذ بأحوط القولين في المسائل التي تعلّمها ولم ينسها، وأمّا المسائل التي لم يتعلّمها أو تعلّمها ثمّ نسيها فإنّه يجب أن يرجع فيها إلى الحيّ عند الخوئي، وقال السيستاني يجب عليه أن يقلّد الأورع منهما إن كان أحدهما أورع من الآخر، وإن لم يكن أحدهما أورع من الآخر وجب عليه أن يعمل بمقتضى الاحتياط بين قوليهما إن حصل له علم إجمالي منجّز أو حجّة إجماليّة منجّزة في خصوص المسألة وإلاّ جاز له أن يتخيّر بينهما ولا يلزمه العمل بالاحتياط بين قوليهما وإن كان ذلك أحوط استحباباً.
.
6- إذا مات المجتهد ولم يعلم المقلِّد بذلك إلاّ بعد مضيّ مدّة من الزمن فإن عرف كيفيّة أعماله خلال تلك الفترة رجع في الاجتزاء بها وعدمه إلى أعلم الأحياء من المجتهدين عند مَن يرى الأعلميّة وإلى أيّ مجتهد حيّ عند مَن لا يرى الأعلميّة فمع موافقة عمله لفتواه يحكم بصحّته بل يحكم بالصحّة في بعض موارد المخالفة أيضاً وذلك فيما إذا كانت المخالفة مغتفرة حينما تصدر لعذر شرعيّ كما إذا اكتفى المقلِّد بتسبيحة واحدة في صلاته حسب ما يفتي به المجتهد الميّت وكان المجتهد الحيّ يفتي بلزوم الثلاث ففي هذه الصورة يحكم أيضاً بصحّة صلاته، وإذا لم يعرف كيفيّة أعماله السّابقة بنى على صحّتها إلاّ في موارد خاصة.
.
7- إذا بقي على تقليد المجتهد الميّت – غفلة أو مسامحة – من دون أن يرجع إلى المجتهد الحيّ في ذلك فإن جاز له بحسب فتوى الحيّ البقاء على تقليد الميّت صحّت أعماله التي أتى بها خلال تلك المدّة مطلقاً سواء طابقت فتوى الحي أو خالفت، وإن لم يجز له البقاء على الميّت كان كمَن عمل من غير تقليد في تلك المدّة في خصوص المسائل التي تخالف فتوى الأعلم الحي.
.
8- إذا قلّد المجتهد وعمل على رأيه ثمّ مات ذلك المجتهد فعدل إلى المجتهد الحيّ لم يجب عليه إعادة الأعمال الماضية وإن كانت على خلاف رأي الحيّ في ما إذا لم يكن الخلل موجباً لبطلانه مع الجهل، كمَن ترك السورة في صلاته اعتماداً على رأي مقلّده ثمّ قلّد مَن يقول بوجوبها فلا تجب عليه إعادة الصلوات التي صلاّها بغير سورة، وقال السيستاني: بل لا يبعد عدم وجوب إعادتها والاجتزاء بها مطلقاً حتى في غير هذه الصورة.
.
9- إذا عمل المقلّد بفتوى مجتهده الميّت في مسألة ما ثمّ عمل في تلك المسألة بفتوى المجتهد الحيّ لم يجز له أن يعدل عن فتوى المجتهد الحيّ إلى تقليد مجتهده الميّت في تلك المسألة، وهكذا لو لم يفتِ المجتهد الحيّ في تلك المسألة بل احتاط، وعمل المقلّد وفق هذا الاحتياط مدّة من الزمان فإنّه لا يجوز له الرجوع إلى فتوى المجتهد الميّت في تلك المسألة.
.
10- إذا شكّ في موت المجتهد الذي كان يقلّده جاز له البقاء على تقليده إلى أن يتبيّن الحال ولا يجب عليه الفحص عن حاله.
.
11- إذا قلّد مجتهداً فمات، ثمّ قلّد الثاني فمات، ثمّ قلّد الثالث الذي يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت وجب عليه البقاء على تقليد الميّت الأوّل في ما يتذكّره من فتاواه فعلاً عند الخوئي، وقال السيستاني: يجب تقليد أعلم الثلاثة مع العلم بالاختلاف بينهم في الفتوى، فإذا كان الميّت الأوّل هو الأعلم في نظره من الآخَرَين لزمه الرجوع إلى تقليده في جميع فتاواه، ومثله الحكيم على ما أفهم من عباراته بشرط أن يكون الأعلم متفوّقاً على الآخرَين بمرتبة معتدّ بها، وقال الخميني: إن أفتى الثالث بوجوب البقاء على تقليد الميّت وجب البقاء على الميّت الأوّل، وإن أفتى بجواز البقاء على تقليد الميّت تخيّر بين البقاء على تقليد الميّت الثاني أو الرجوع إلى الثالث (الذي هو الحيّ).
.
12- إذا بقي على تقليد الميّت فاستجدّت له بعض المسائل التي لا يستطيع معرفة فتوى الميّت فيها وجب عليه الرجوع فيها إلى الحيّ.
.
13- إذا عدل مَن يقلّد الميّت إلى المجتهد الحيّ لم يجز له الرجوع إلى تقليد الميّت ثانية إذا تعلّم فتوى الحيّ وإن لم يكن قد عمل بها عند الخوئي، وإذا عمل بفتوى الحيّ عند السيستاني.. والحمد لله ربّ العالمين.
العلم الإجمالي المنجّز كما إذا أفتى أحدهما بوجوب القصر، وأفتى الآخر بوجوب التمام، فهنا يوجد علم إجمالي بأنّ الواجب المنجّز في حقّه إمّا القصر أو التمام – والمراد بالمنجّز هو الذي يترتّب على تركه العقاب –، فيجب عليه أن يأتي بهما معاً، فيصلّي القصر والتمام ليضمن أنّه أتى بما يجب عليه الاتيان به، ولا يصحّ منه أن يأخذ بقول مَن شاء منهما؛ لأنّه إن أخذ برأي مَن قال بالقصر، فلربما كان الواجب المنجّز في حقّه هو التمام لا القصر فيستحقّ العقاب على ترك الواجب الذي هو (القصر)، وإن أخذ برأي مَن قال بالتمام، فلربما كان الواجب المنجّز في حقّه هو القصر لا التمام فيستحقّ العقاب على ترك الواجب الذي هو (التمام)، فيلزم أن يصلي القصر والتمام، فإن كان الواجب المنجّز في حقّه هو القصر فقد أتى به، وإن كان التمام فقد أتى به، فلا يستحقّ العقاب حينئذٍ.
.