بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، وبعد:
لقد تقدّم أنّ واحدة من شرائط مَن يجوز تقليده من المجتهدين هي العدالة، وبقي أن تعلم أنّ العدالة المعتبرة في مرجع التقليد هي أشدّ من العدالة المطلوبة في غيره كإمام الجماعة والشاهد، ففيهما يكفي التقوى المانعة من ارتكاب المعصية الكبيرة، ولا يقدح فيها ارتكاب المعصية الصغيرة من دون إصرار واستهوان، أمّا العدالة المطلوبة في مرجع التقليد فهي درجة عالية ومرتبة رفيعة من التقوى تمنعه في العادة من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة بحيث لو غلبته نوازع النفس ودواعي الشيطان – في نوادر الأوقات – فوقع في المعصية لأسرع إلى التوبة وأناب إلى الله تعالى، واعلم:
1- أنّ العدالة ترتفع عن المجتهد بمجرّد وقوعه في المعصية وتعود له بالتوبة والندم إذا كانت الملكة المذكورة لا تزال باقية.
2- أنّ عمل المكلّف الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد بلا احتياط ولا تقليد باطل – بمعنى أنّه لا يجوز له الاجتزاء به – إلاّ إذا كان العمل عبادة وتحقّق منه قصد القربة أو علم بطريق ما أنّ عمله قد طابق الواقع وأنّه قام بوظيفته الواقعيّة أو علم بأن عمله قد وافق الاحتياط أو وافق فتوى المجتهد الأعلم الذي كان يجب عليه أن يقلّده في ذلك الوقت عند مَن يرى الأعلميّة وكذا إذا وافق فتوى المجتهد الأعلم الذي يجب عليه أن يقلّده ساعة الكشف والعلم بوجوب التقليد أو الاحتياط، أو كان في حكم العلم بالمطابقة والموافقة لفتوى الأعلم – كما يقول السيستاني – والمراد بـ (بحكم العلم بالمطابقة) هو أن يخلّ بما لا يضرّ مع حاله الاخلال به كما لو كان جاهلاً قاصراً – وهو مَن كان معذوراً في جهله – وأخلّ بما لا يضرّ الاخلال به لعذر كالاخلال بغير الأركان من الصّلاة، أو كان جاهلاً مقصّراً – وهو مَن لا يكون معذوراً في جهله – وأخلّ بما لا يضرّ الاخلال به إلاّ عن تعمّد كالجهر والإخفات في الصّلاة، وكذا تُحكم أعماله بالصحّة إذا وافقت فتوى المجتهد الذي يقلّده الآن – أي بعد الكشف والعلم بوجوب التقليد أو الاحتياط – عند المدرّسي وفضل الله، أمّا الحكيم فقال: لابدّ من الرجوع للمجتهد الأعلم الآن – أي بعد العلم بوجوب التقليد أو الاحتياط – وعرض عمله السّابق عليه فإن أفتى له بصحّته أو بعدم وجوب إعادته اجتزأ به وإلاّ أعاده.
3- أنّ المجتهد والأعلم يُعرفان بإحدى الطرق الآتية:
- العلم الوجداني أو الاطمئنان الحاصل من المناشئ العقلائيّة كالاختبار ونحوه: بأن يكون الإنسان نفسه قادراً على معرفة المجتهد والأعلم وتشخيصهما.
- شهادة عدلين من أهل الخبرة، بل لا يبعد ثبوتهما بشهادة مَن يثق به من أهل الخبرة وإن كان واحداً: ولكن يعتبر في شهادة أهل الخبرة أن لا تعارضها شهادةٌ مثلها بالخلاف وإلاّ أخذ بشهادة مَن كان منهم أكثر خبرة بحدّ يكون احتمال إصابة الواقع في شهادته أقوى من احتمالها في شهادة غيره.
- الشياع المفيد للعلم أو للاطمئنان: كأن يشتهر اجتهاده أو أعلميّته بين النّاس أو في الحوزات العلميّة بنحو يفيد العلم أو الاطمئنان.
4- أنّ التقليد يتحقّق عند فضل الله بتعلّم فتوى المجتهد والعزم على العمل بها عند الحاجة فضلاً عن تحقّق العمل بها، وذهب الخوئي إلى عدم كفاية تعلّم فتوى المجتهد ولا بالالتزام بها والعزم على العمل بها عند الحاجة من دون أن يتحقّق العمل بها فعلاً، واكتفى السيستاني في تحقّق التقليد بأن يتطابق عمل المكلَّف مع فتوى المجتهد الأعلم الذي يجب عليه أن يقلّده الآن – باعتبار أنّ قوله حجّة في حقّه – ولا يعتبر فيه الاعتماد والعزم على تقليده.
5- أنّه إذا قلّد المكلَّف مَن لم يكن جامعاً للشرائط والتفت إلى ذلك بعد مدّة كان كمَن عمل من غير تقليد عند الخوئي، وكان حاله حال الجاهل القاصر أو المقصّر عند الخميني، وفصّل السيستاني فقال: إن كان معتمداً في تقليده لمَن لم يكن جامعاً للشرائط على طريق معتبر شرعاً وقد تبيّن له خطؤه لاحقاً كان كالجاهل القاصر، وإن لم يكن معتمداً في تقليده على طريق شرعيّ كان حكمه حكم الجاهل المقصّر، وقال الحكيم بوجوب الرجوع إلى المجتهد الأعلم وعرض عمله السّابق عليه، فإن أفتى له بصحّته أو بعدم وجوب إعادته اجتزأ به وإلاّ أعاد.
6- أنّ أعماله السّابقة إن كانت مع تقليد ولكنّه لا يعلم هل كانت عن تقليد صحيح أم فاسد بنى على الصّحة.
7- إذا تنبّه وعلم بوجوب التقليد أو الاحتياط ولكن شكّ في أنّ عمله السّابق – الذي كان بلا تقليد ولا احتياط – هل كان على المنهج المطلوب فلا يلزمه إعادته أو لم يكن على المنهج المطلوب فتلزمه إعادته وجبت عليه إعادته إذا كان وقت الفريضة باقٍ، ولا تلزمه إعادته إذا انقضى وقته وفات.
8- أنّه يجب على المكلّف أن يتعلَّم أحكام المسائل التي يُبتلى بها عادة – كجملة من مسائل الشّكّ والسهو – إلاّ إذا أحرز من نفسه عدم الابتلاء بها، وكذلك يجب على المكلَّف أن يتعلّم أجزاء العبادات الواجبة وشرائطها، ويكفي أن يعلم – ولو إجمالاً – أنّ عباداته جامعة لما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط، ولو بمتابعة الشخص العارف بالحكم الموثوق في العمل كالحاج الذي يتبع مرشد الحملة دون معرفة تفاصيل وواجبات الحجّ مسبقاً، فلا يلزم العلم – تفصيلاً – بذلك، وإذا عرضت له في أثناء العبادة مسألة لا يعرف حكمها جاز له العمل على بعض الاحتمالات ثمّ يسأل عنها بعد الفراغ منها، فإن تبيّنت له الصحّة اجتزأ بالعمل، وإن تبيّن له البطلان أعاد العمل.
9- إذا أرشد بعض المتديّنين العوام في اختيار مَن يقلّده أو في تعيين حكمه الفعلي ليعمل عليه فأرشده في أمره وعيّن له الحكم أو المجتهد الذي يقلّده فعمل على ذلك كان كمَن عمل عن تقليد صحيح، وتحمّل الشخص الذي أرشده مسؤوليّة عمله، فيجب عليه بذل الوسع واستكمال الفحص عن مقتضى الميزان الشرعي أداءً للأمانة وإلاّ كان خائناً مسؤولاً أمام الله تعالى.
10- إذا قلّد مجتهداً جامعاً للشرائط ثمّ احتمل زوال بعض الشرائط عنه لم يجب عليه الفحص إلاّ أن يكون الاحتمال عقلائيّاً وكانت أعماله محكومة بالصحّة، أمّا إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أنّه هل كان جامعاً للشرائط أم لا – بمعنى أنّه شكّ في أصل تواجد الشرائط فيه – وجب عليه الفحص، فإن تبيّن له أنّه كان جامعاً للشرائط بقي على تقليده وكانت أعماله صحيحة، وإن تبيّن له أنّه كان فاقداً لها وجب عليه العدول عنه إلى مجتهد آخر تجتمع فيه الشرائط، وكانت أعماله صحيحة عند المدرّسي، وعند السيستاني حكمها حكم أعماله في رقم (2)، وقال الخوئي: "إن عرف كيفيّتها رجع في الاجتزاء بها إلى المجتهد الجامع للشرائط، وإن لم يعرف كيفيّتها قيل بنى على الصحّة، ولكن فيه إشكال بل منع، نعم إذا كان الشكّ في خارج الوقت لم يجب القضاء".
11- أنّ حكم المجتهد الجامع للشرائط لا يجوز نقضه حتى لمجتهد آخر والرادّ عليه كالرادّ على الأئمّة (ع) الذي هو ردّ على الله تعالى وهو على حدّ الشرك بالله كما في الحديث الشريف إلاّ إذا علم بمخالفته للواقع أو كان مخالفاً لما ثبت قطعاً من الكتاب والسنة أو كان صادراً عن تقصير في مقدّماته، ويجب أن يُعلم أنّ حكمه لا يغيّر الواقع، فلو عُلم أنّ المال الذي حكم به للمدّعي مثلاً ليس ملكاً له لم يجز للمدّعي ترتيب آثار الملكيّة على ذلك المال.. والحمد لله ربّ العالمين.