بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ...)).
في هذه الآية الكريمة نجد المولى سبحانه وتعالى يصف نبيّه وحبيبه محمّد (ص) بأنّه (أمّيّ)، مع أنّ (الأمّيّ) – بحسب فهم العرف – هو الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فإذا كان الرسول الأكرم (ص) لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولو في زمن ما لزم أن يكون الإنسان العارف بهما في ذلك الزمن أفضل من الرسول (ص) في هذا الجانب؛ فقوله تعالى: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) يدلّل على أنّ العالِم أفضل عند الله تعالى من الجاهل، ووجود إنسان أفضل وأكمل من الرسول (ص) في أيّ جانب من جوانب شخصيّته المقدّسة، وفي أيّ زمن من الأزمان هو خلاف ما ثبت بالدليل القطعي المتسالم عند جميع المسلمين، من أنّ الرسول (ص) هو أفضل وأشرف وأكمل مخلوق على الإطلاق، بل ثبت أنّ أفضليّة الرسول (ص) على المخلوقات لم تختصّ بزمن دون آخر ولا بجانب دون آخر، فهو أفضل وأشرف وأكمل مخلوق في جميع الأزمنة – الماضي والحال والمستقبل – وفي كلّ الجوانب، ولا يوجد مخلوق أفضل وأكمل منه (ص) أبداً في أيّ زمان وفي أيّ جانب، وعليه.. كيف نوفّق بين أفضليّة الرسول (ص) على جميع الخلق وفي كلّ الأزمنة والجوانب وبين أنّه نبيّ أمّي؟؟
وفي مقام الجواب نقول:
لقد ثبت بالأدلّة الصحيحة الصريحة أنّ الرسول (ص) هو أفضل وأكمل وأشرف مخلوق عند الله تعالى، وأن لا منازع له في ذلك، ولا خلاف في ذلك أيضاً بين المسلمين على الأقل، وبما أنّ القراءة والكتابة من الكمالات الإنسانيّة التي يتمايز بها النّاس على بعضهم، لزم أن يكون الرسول الأكرم (ص) عارفاً بهما متقناً لهما إلى أبعد الحدود؛ لأنّه جامع لكلّ الكمالات من ناحية؛ ولأنّ عدم المعرفة بهما نقص يجلّ عنه رسول الله (ص) من ناحية أخرى، ولهذا تجد الأئمّة (ع) يلعنون مَن كان يبني عقيدته على أن الرسول (ص) لا يقرأ ولا يكتب بمعنى أنّه يجهل بهما؛ لأنّ الجهل بهما معناه نسبة النقص إليه (ص)، فهذا أبو جعفر (ع) عندما قيل له: "إنّ الناس يزعمون أنّ رسول الله (ص) لم يكتب ولا يقرأ" بمعنى أنّه لا يعرفهما، قال:"كذبوا لعنهم الله، أنّى يكون كذلك وقد قال الله عزّ وجلّ: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ))، فيكون يعلّمهم الكتاب والحكمة وليس يحسن أن يقرأ أو يكتب؟؟"، كذلك عندما سأله جعفر بن محمّد الصوفي فقال له: "لِمَ سمّي النبي (ص) الأمّيّ؟" قال (ع): "ما تقول النّاس؟" قال: "يزعمون أنّه إنّما سمّي الأمّيّ لأنّه لم يحسن أن يكتب"، أي لا يعرف الكتابة، فقال (ع): "كذبوا عليهم لعنة الله، أنّى ذلك والله يقول في محكم كتابه: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ))، فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟ والله لقد كان رسول الله (ص) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين، أو قال: بثلاثة وسبعين لساناً..."، فلا شكّ في معرفة الرسول (ص) بالقراءة والكتابة، وكيف لا يعلم مَن كان عالماً بعلوم الأولين والآخرين إنّ هذه النقوش موضوعة لهذه الحروف؟ ومَن كان يقدر بإقدار الله تعالى له على شقّ القمر وأكبر منه، كيف لا يقدر على نقش الحروف والكلمات على الصحائف والألواح؟! بل كان عالماً بالقراءة والكتابة معاً أفضل من معرفة كلّ النّاس بهما، ويؤيّد ذلك قول الإمام الصادق (ع): "إنّ النبي (ص) كان يقرأ ويكتب، ويقرأ ما لم يُكتب"، وما ورد من الأحاديث في بيان عكس هذا المطلب فهو مؤّول أو مردود لما علمت من نسبة النقص إليه (ص).
لا يقال: إنّ المسلّم من سيرته (ص) أنّه لم يتعلّم القراءة والكتابة عند أحد من النّاس، فكيف عرفهما والحال هذه؟
لأنّ: الذي جاء بكلّ هذه التعاليم والقيم والفضائل والمكارم والمعاجز بتعليم الله تعالى قادر على القراءة والكتابة بتعليم الله تعالى أيضاً، ولا مانع من ذلك ولا محذور، بل المحذور في عدم معرفته بهما كما سبق بيانه، يقول "الشيخ ناصر مكارم الشيرازي" في تفسيره (الأمثل): [... من الخطأ الكبير أن تتصوّر أنّ عدم التعلّم عند أحد يعني عدم المعرفة بالكتابة والقراءة، والذين فسّروا الأميّة بعدم المعرفة بالكتابة والقراءة كأنّهم لم يلتفتوا إلى هذا التفاوت، ولا مانع أبداً من أنّ النبي (ص) كان عارفاً بالقراءة والكتابة بتعليم الله، ومن دون أن يتتلمذ على يد أحدٍ من البشر؛ لأنّ مثل هذه المعرفة هي بلا شكّ من الكمالات الإنسانيّة ومكمّلة لمقام النبوّة، ويشهد بذلك ما ورد في الأحاديث المرويّة عن أهل البيت (ع) من أنّ النبي كان قادراً على القراءة والكتابة]، وكذلك قال المجلسي في بحاره في الوجه الثاني من وجهي جمع الأخبار الواردة في معرفته (ص) بالقراءة والكتابة وغيرها ممّا لم تثبت له ذلك، قال: [الثاني: أن نحمل أخبار عدم الكتابة والقراءة على عدم تعلّمها من البشر، وسائر الأخبار على أنّه كان يقدر عليهما بالإعجاز]، فمَن جاء بالمعاجز العديدة الكبيرة لا يعجز عن معرفة القراءة والكتابة عن طريق الاعجاز نفسه.
ولا يُقال أيضاً: إنّ قوله تعالى: ((وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ))، دالّ على عدم معرفته بالقراءة والكتابة، وإلاّ فلا معنى لمعرفته بهما دون أن يستخدمهما!
لأنّه يُقال: إنّ الآية الكريمة لا تثبت أكثر من أنّ الرسول (ص) لم يكن – قبل أن يأتي بالقرآن الكريم – يتلوا كتاباً عليهم أو يقرأ من كتاب، ولم يكن يخطّ لنفسه أو لهم أو لغيرهم كتباً بيمينه، وهذا لا ينفي معرفة الرسول (ص) بالقراءة والكتابة، فالمعرفة بالقراءة والكتابة شيء واستعمالهما والاستفادة منهما في الواقع الخارجي شيء آخر، ثمّ إن كان هناك شكّ في معرفته (ص) بهما قبل البعثة عند أحدٍ من النّاس، فلا مجال للشكّ في معرفته بهما بعد البعثة – فهو القائل: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، و "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة "وغير ذلك، ولو كان لا يعرف القراءة والكتابة حين ذاك لأشكل عليه أعداؤه وهم كثر – ومع ذلك لم نسمع أنّه كتب كتاباً، بل اتّخذ لنفسه كتّاباً، فعدم استخدام الشيء لا يدلّ على الجهل به، خصوصاً مع وجود الحكمة في عدم الاستفادة منه، كما قال تعالى: ((إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ))، يقول "الشيخ ناصر مكارم الشيرازي" في تتمّة كلامه السّابق: [ويشهد بذلك ما ورد في الأحاديث المرويّة عن أهل البيت (ع) من أنّ النبي كان قادراً على القراءة والكتابة، ولكنّه لأجل أن لا يبقى أيّ مجال لأدنى تشكيك في دعوته لم يكن (ص) يستفيد من هذه المقدرة].
ولا يُقال أيضاً: إنّ القول بأميّة الرسول (ص) بمعنى عدم معرفته للقراءة والكتابة يدعم ويؤكّد رسالته ونبوّته؛ باعتبار أنّه يجهل القراءة والكتابة ومع ذلك جاء بالقرآن الكريم المعجزة الخالدة التي حيّرت العباقرة والعلماء؟
لأنّه يُقال: إنّ إعجاز القرآن الكريم لا يعتمد على جهل الرسول (ص) بالقراءة والكتابة، فلو جاء بالقرآن الكريم أكبر العباقرة المعروفين في العلم واللغة لكان القرآن أيضاً معجزة عظيمة، فالقرآن الكريم معجزة بذاته، وقد تحدّى العلماء والأساتذة أن يأتوا بآية من مثل آياته، والقول بجهل النبي بالقراءة والكتابة لا يزيد القرآن الكريم إعجازاً، وإنّما يخدش في شخص الرسول (ص) ويسيء إليه.
أمّي يجيد القراءة والكتابة؟!
فإذا ثبتت معرفته (ص) بالقراءة والكتابة تبادر إلى الذهن هذا السؤال:
إذا كان (ص) يجيد القراءة والكتابة أفضل من بقيّة النّاس فلماذا يصفه الله تعالى في كتابه المجيد بالأمّي، والمعروف أنّ الأمّي هو الذي لا يعرف القراءة والكتابة؟
وهناك جوابان على هذا السؤال:
الجواب الأوّل: إنّ معنى (أمّيّ) في حقيقته هو الذي لم يتعلّم على يد أحدٍ من البشر، وبما أنّ الكتابة أمر مكتسب لا يتحصّل الإنسان عليها إلاّ بالتعلّم، كان الأمّي هو الذي لا يكتب؛ باعتبار أنّ الذي لا يتعلّم القراءة والكتابة لا يمكن أن يعرفهما، فيسمّي (أمّي) نسبة إلى الأمّ، باعتبار أنّه لم يتعلّم بل بقي على ما ولدته عليه أمّه، وهذا المعنى هو القدر المتيقّن في معاجم اللّغة العربيّة للأمّيّ، وبما أنّ الرسول (ص) لم يتعلّم على يد أحدٍ من النّاس، ولم يكتسب الكتابة عبر أحدهم، ولم يكن يكتب لِأَن لا يرتاب المبطلون في رسالته بعد ذلك سمّي بالأمّي، لانطباق معنى (الأمّي) الظاهري عليه، وهذا لا يمنع من معرفته بالكتابة عبر تعليم الله تعالى له كما علّمه بقيّة الأمور كما سبق تفصيله.
الجواب الثاني: ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بـ (الأمّي) في قوله تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ...)) هو المكّي، نسبة إلى مكّة المكرّمة فهي أمّ القرى، قال تعالى: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)).
وقد سمّى القرآن الكريم أهل مكّة بـ (الأميين) في أكثر من مورد، منها:
1- قوله تعالى: ((فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)).
2- قوله تعالى: ((وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)).
3- قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)).
وهذا القول واضح ولا محذور فيه، وفيه روايات، منها:
- رواية جعفر بن محمّد الصوفي السابقة، حيث قال: "سألت أبا جعفر محمّد بن علي الرضا (ع) فقلت: "يا ابن رسول الله، لِمَ سمّي النبي (ص) الأمّي؟" فقال (ع): "ما تقول النّاس؟" قلت: "يزعمون أنّه إنّما سمّي الأمّيّ لأنّه لم يحسن أن يكتب!" فقال (ع): "كذبوا عليهم لعنة الله، أنّى ذلك والله يقول في محكم كتابه: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ))، فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟ والله لقد كان رسول الله (ص) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو قال: بثلاثة وسبعين لساناً، وإنّما سمّي الأمّيّ لأنّه كان من أهل مكّة، ومكّة من أمّهات القرى، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ((وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا))".
- رواية علي بن أسباط السّابقة، حيث قال: قلت: "إنّ النّاس يزعمون أنّ رسول الله (ص) لم يكتب ولا يقرأ؟" فقال (ع): "كذبوا لعنهم الله، أنّى يكون ذلك وقد قال الله عزّ وجلّ: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ))، فيكون يعلمهم الكتاب والحكمة وليس يحسن أن يقرأ أو يكتب؟! قلت: فلم سمّي النبي الأمّيّ؟" قال (ع): "نُسِب إلى مكّة، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ((وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا))، فأم القرى مكّة، فقيل أمّي لذلك".
هذه بعض الأخبار المؤيّدة لتسميّة النبي (ص) بالأمّي نسبة إلى أمّ القرى وهي مكّة، إلاّ أنّ بعض المفسّرين ردّ هذا، وقال: إنّ سبب تسمية أهل مكّة في الآيات السّابقة بالأميين لا يعود لنسبتهم إلى أمّ القرى، بل لأنّهم لم يكونوا يقرؤون ويكتبون، فقد [كان عدد العارفين بالكتابة والقراءة في المحيط الحجازي قليلاً جدّاً، حيث كان الجهل هو الحالة السّائدة على النّاس بحيث أنّ هؤلاء العارفين بالكتابة والقراءة كانوا معروفين بأعيانهم وأشخاصهم، فقد كان عددهم في مكّة من الرجال لا يتجاوز (17) شخصاً، ومن النساء امرأة واحدة]، إلاّ أنّ:
أ - هذه الدعوى ذاتها تحتاج إلى دليل يثبتها، فالمعلوم أنّ كلّ نبي من الأنبياء (ع) كان يأتي قومه بمعجزة تتناسب مع أحوالهم، فموسى (ع) جاء بالعصا لأنّ الأمّة التي بعث إليها كانت تشتهر بالسحر، وعيسى (ع) جاء بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لأنّ الأمّة التي بعث إليها كانت تشتهر بالطب، وهكذا بقيّة الأنبياء (ع) جاؤوا أممهم بما يشتهرون به، فكيف يبعث الرسول (ص) – والحال هذه – بالقرآن الكريم لأمّة جاهلة لا تعرف القراءة ولا الكتابة وبالتالي لا تدرك قيمة القرآن وإعجازه؟ وهل يكون القرآن الكريم – بعد هذا – معجزة لهم وهم لا يفقهونه؟ إنّما يكون القرآن معجزة إذا كانت الأمّة التي بعث الرسول (ص) إليها أمّة الفصاحة والبلاغة، أمّة القراءة والكتابة، وفي رواية عن الصادق (ع) أنّه قال في قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ)): "أنّهم كانوا يكتبون، ولكن لم يكن معهم كتاب من عند الله، ولا بعث لهم رسولاً، فنسبهم إلى الأميين لذلك"، أي أنّ تسميتهم بالأميين ناتجة عن عدم نسبتهم لكتاب سماوي في قِبَال اليهود والنصارى (أهل الكتاب)، إلاّ أنّ عدم نسبتهم لكتاب سماوي لا يدلّ على عدم معرفتهم بالقراءة والكتابة، بل ربّما تكون هذه الآية المباركة شاهد على أنّهم إنّما وصفوا بالأميّة نسبة إلى جهلهم بالأحكام السماويّة، إذ ليس لهم كتاب سماوي يرجعون إليه، والجهل بالأحكام السماويّة ممّا لا يجوز على الرسول (ص) يقيناً.
ب - وعلى فرض صحّة ما يقولون، وأنّ وصفه تعالى لأهل مكّة بـ (الأميين) راجع إلى جهل الأكثريّة الغالبة إلاّ أنّ قوله تعالى يشمل جميع أهل مكّة المكرّمة بما فيهم السبعة عشر رجلاً والمرأة الواحدة الذين يعرفون القراءة والكتابة، فيُقال لكلّ منهم – ما يقال لغيرهم – بأنّه (أمّي) نسبة إلى الغالبيّة كما في الآية حسب قولهم، وبالتالي لم يكن وصفه تعالى للجميع بوصف الأميّة يدلّ على جهل الجميع؛ لأنّ فيهم هؤلاء النفر الذين يعرفون القراءة والكتابة، وبالتالي ما يُقال هنا يُقال في النبي الأكرم (ص)، سواء كان (ص) من السبعة عشر المشار إليهم، أو كان هو الثامن عشر، وبالتالي لم يكن الإشكال على الإجابة الثانيّة ممّا يغيّر الأمر وحقيقته، ومن هنا تبنّى بعض العلماء هذا القول، فقال: إنّما سمّي الرسول (ص) بالأمّيّ؛ لأنّه من العرب، وقد كان العرب يسمّون سابقاً بالأميين لقلّة مَن كان يكتب ويقرأ منهم، وبالتالي لا يكون معنى كونه أمّيّاً أنّه لا يعرف القراءة والكتابة وإنّما يكون معناه أنّه عربي أي من الأمّة الأميّة.
خلاصة الأمر
إنّ هناك أربعة أقوال في كون الرسول (ص) أميّاً، والأقوال هي:
1- إنّ الرسول (ص) لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وهو مردود قطعاً.
2- إنّه (ص) لم يدرس عند أحدٍ من البشر أبداً، ولم يكن يكتب أو يقرأ مع علمه بهما بتعليم الله تعالى له، وهو راجح عند بعض العلماء.
3- المراد بأنّ الرسول (ص) من العرب؛ حيث كان العربي يُعرف سابقاً بـ (الأمّيّ) لقلّة مَن كان يكتب ويقرأ من العرب، وهو رأي بعض العلماء.
4- المراد بذلك نسبته (ص) إلى موطنه وبلده، فكما نقول: (بحريني) و (سعودي) و (قطري) وغير ذلك نسبة للوطن المتولّد فيه، أيضاً نقول عن الرسول (ص) – كما نقول عن أيّ واحد من أهل مكّة المكرّمة حتى الذين يعرفون القراءة والكتابة – بأنّه (مكّيّ) نسبة إلى مكّة المكرّمة، و (أمّيٌّ) نسبة إلى أمّ القرى وهي مكّة، وهو راجح عند بعض آخر من العلماء.
كما توجد هناك أقوال أخرى ولكنّها بعيدة في نظري والله العالم، منها:
1- إنّما سمّي (ص) بالأمّيّ نسبة إلى قيامه من بين صفوف الأمّة وجمهورها.
2- إنّما سمّي (ص) بالأمّيّ؛ لأنّه كان كالأمّ المحبّة لأولادها، فهو في الدنيا مع شديد إيذائهم له كان يقول: "اللهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون"، ويوم القيامة كلّ إنسان ينشغل بنفسه عن غيره إلاّ هو (ص) يقول: "أمّتي أمّتي"، فلذلك سمّي بالأمّيّ.. والحمد لله ربّ العالمين.
بحار الأنوار: ج16، ص133.
بحار الأنوار: ج16، ص134.
تفسير الأمثل: م4، ص534.
بحار الأنوار: ج16، ص134.
وقد اشتهر عنه (ص) في الصحاح أنّه قال في آخر حياته: "ايتوني بدوات وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً".
تفسير الأمثل: م4، ص534.
تفسير الأمثل: م4، ص534.
بحار الأنوار: ج16، ص132.