بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، وبعد:
قلنا فيما سبق أنّ الفقهاء قد اتفقوا وأجمعوا على أنّه يجب على كلّ مكلّف أن يعتقد بـ (أصول الدين) و (أصول المذهب) عن دليل وبرهان فلا يجوز له أن يقلّد فيهما أحداً بمعنى أن يقبل كلامه فيهما دونما دليل، أمّا في (أحكام الدين وفروعه) فيجب عليه أن يحرز امتثال التكاليف الإلزاميّة الموجّهة إليه في الشريعة المقدّسة إمّا بالاجتهاد أو الاحتياط أو التقليد وبقي أن نعرف مَن هو المكلّف بهذه الأمور؟
المكلّف هو العاقل البالغ، والعاقل نعرفه وهو مقابل المبتلى الذي نسمّيه في العرف بالمجنون – وما هو بمجنون –، والبالغ هو الذي يتّصف بأحد الأمور الآتية:
الأوّل – الاحتلام: والمراد به بروز شهوة الجنس عنده إمّا بالنوم أو اليقظة وذلك بخروج المني وما يصاحبه من الرعشة الجسديّة ولا فرق في هذا بين الذكر والأنثى، وعند المدرّسي يكفي الاستعداد للنكاح وإن لم يخرج المني.
الثاني – إنبات الشعر الخشن على العانة: والمراد بالعانة الموضع الذي يقع بين أسفل البطن وأعلى العضو الجنسي، ولا فرق في هذا أيضاً بين الذكر والأنثى.
الثالث – العمر: بأن يكمل الصبي السّنة الخامسة عشرة هجريّة من عمره، وتكمل البنت السّنة التاسعة من عمرها، هذا هو الرأي المشهور بين الفقهاء إلاّ أنّ فضل الله جعل بلوغ البنت بإكمال التاسعة من عمرها مبنيّ على الاحتياط الوجوبي، وقال عن الصبي: [الأفضل والأحوط للدين استحباباً أن يعتبر الصبي نفسه مكلّفاً منذ إكماله ثلاث عشرة سنة ودخوله في السنة الرابعة عشرة، فلا يتهاون بشيء من الواجبات التي يلزم بها البالغون]، أمّا المدرّسي فقد جعل بلوغ البنت من جهة العمر هو إكمالها السّنة الثانية عشرة، وقال: [وإن كان العمل بتحديد العمر عند الصبيّة بإكمال التاسعة أحوط (أي استحباباً) فيما لا تكون للاحتياط مضاعفات سلبيّة أو أضرار على صحّتها، والله العالم].
الرابع – الطمث (وهو خاص بالأنثى): والطمث هو الحيض، فيحكم ببلوغ البنت بمجرّد رؤية دم الحيض حتى وإن لم تنتظم دورتها الشهريّة.
بعد أن عرفنا علامات البلوغ نأتي إلى مسألة مهمّة قد أشار إليها المدرّسي وهي: هل تترتّب آثار البلوغ على الصبي أو الصبيّة فيما إذا تقدّم البلوغ أو تأخّر لعارض أو لا؟
وقد أجاب على هذا السؤال بقوله: [إذا تقدّم البلوغ لعارض واكتملت بنية الطفل (الصّبي أو الصبيّة) وظهرت علامات البلوغ ترتّبت عليه آثاره، شريطة أن نعرف يقيناً أنّه قد أدرك وتمّ رشده]، و [إذا تخلّف الطفل بسبب مرض أو غيره عن بلوغ أشدّه وعلمنا بأنّه لا يزال في مرحلة الطفولة فلا بلوغ حتى ولو تجاوز العمر المحدّد].. والحمد لله ربّ العالمين.